اسماعيل بن محمد القونوي
10
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الاهتمام لا للحصر مطلقا أي لجميع الأشياء وهذا بناء على أن قوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الفرقان : 2 ] كناية عن ملكه جميع الأشياء بناء على أن المراد بالسموات العلويات وبالأرض السفليات إما كناية أو مجازا ونفى ما يقوم مقامه وهو الولد بقوله : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [ الفرقان : 2 ] ولو قال ونفى ما يجانسه لأن حق الولد أن يجانس والده وما يقاومه وهو الشريك في الملك ونفيه بقوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [ الفرقان : 2 ] . قوله : ( ثم نبه على ما يدل عليه فقال وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ الفرقان : 2 ] ) ثم نبه على ما يدل عليه أي على المذكور من انتفاء الولد وعدم الشريك وعلى الملك مطلقا وإرجاع الضمير إلى الملك فقط ضعيف إذ معظم المقاصد الاستدلال على انتفاء الولد وعدم الشريك بل المقصود من إثبات الملك الاستدلال على انتفاء الولد والشريك له قال المص في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 116 ] الآية والاستدلال على فساده أي اتخاذ الولد وتقديمه لا يضر ذلك . قوله : ( أحدثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته ) أحدثه إحداثا وفيه تغليب ما وجد على ما لم يوجد فعبر عن المجموع بالماضي مراعى فيه التقدير أي المراد بالخلق ليس مجرد الإيجاد بل الإيجاد الخاص وهو إيجاد مراعى فيه التقدير الذي هو معنى لغوي للخلق فإن الإيجاد معنى شرعي له معتبر فيه المعنى اللغوي وهو التصوير والإبراز على مقدار معين ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ آل عمران : 49 ] أي أصوره وأبرزه على مقدار معين قوله حسب إرادته تعالى أي على وفق إرادته وقيل « 1 » التقدير تحديد كل مخلوق بحده الذي يوجد فيه من حسن وقبح ونفع وضر وغير ذلك واستوضح بتصوير النقاش الصورة في ذهنه ثم نقشه على وفق قوله : ثم نبه على ما يدل عليه فقال وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ الفرقان : 2 ] أي ثم نبه على أمر يدل ذلك الأمر على أن الملك له مطلقا وأنه لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وذلك الأمر الدال عليه هو خلقه تعالى وإيجاده كل شيء وجه دلالته عليه أنه إذا كان كل شيء مخلوقا له تعالى موجودا بايجاده يكون الكل ملكه تعالى لا محالة وإذا دل على أن الكل مملوكه تعالى دل أيضا على أن المخلوق المملوك لا يكون ولدا لخالقه ومالكه ولا شريكا له في ملكه . قوله : أحدثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته يعني معنى الخلق ليس مطلق الاحداث من العدم بل هو إحداث روعي فيه التقدير حسب الإرادة مثل تقدير صانع السرير حيث قدر أولا صورته وهيئته في نفسه وصورة في خياله تصويرا مراعى فيه جميع ما لا بد منه في تحسينه ثم صنعه وأحدثه حسب ما قدره وصوره .
--> ( 1 ) قال الراغب الخلق أصله التقدير المستقيم وفي الأساس خلق الخياط الثوب قدره قبل القطع وقدر الشيء بالشيء قاسه وجعله من المقدار ومن المجاز خلق اللّه الخلق على تقدير أوجبته الحكمة .